السيد محمد الطباطبائي الكربلائي
404
مفاتيح الأصول
الظن الأول تدل على اعتباره الظن الثاني من غير فرق انتهى وهو ضعيف جدّا كما لا يخفى ومنها ما تمسك به في المعالم فقال لنا أنها شهادة ومن شأنها اعتبار العدد فيها كما هو ظاهر انتهى وأجاب عنه في مشرق الشمسين والزبدة ففي الأول بعد الإشارة إليه وجوابه أما أولا فبمنع الصغرى فإنها غير بينة ولا مثبتة وهلَّا كانت تزكية الراوي كأغلب الأخبار في أنها ليست شهادة كالرواية وكنقل الإجماع وتفسير مترجم القاضي وإخبار المقلد مثله بفتوى المجتهد وقول الطبيب بإضرار الصوم بالمرض وإخبار أجير الحج بإيقاعه وإعلام المأموم الإمام بوقوع ما شك فيه وإخبار العدل العارف بالقبلة بجاهل العلامات إلى غير ذلك من الأخبار التي اكتفوا فيها بخبر الواحد وأما ثانيا فبمنع كلية الكبرى والسند قبول شهادة الواحد في بعض المواد عند بعض علمائنا بل شهادة المرأة الواحدة في بعض الأوقات عند أكثرهم انتهى وفي الثاني قالوا كل خبر شهادة فلا يكفى الواحد قلنا ممنوع بل أكثرها غيرها كالرّواية ونقل الإجماع وتفسير المترجم وإخبار الطبيب بإضرار الصوم والأجير بإيقاع الحج إلى غير ذلك وقد أشار إلى بعض ما ذكره في النهاية فقال قال قوم العدد معتبر في المزكي والجارح في الرواية والشهادة لأن الجرح والتعديل شهادة فيعتبر العدد فيها كالشهادة على الحقوق وهو معارض بأنهما إخبار فلا يعتبر العدد في قبولهما كالرواية لا يقال في العدد زيادة احتياط فيكون أولى لأنا نقول إن فيه تضييع أوامر الله تعالى ونواهيه فيكون مجروحا وأشار إلى جميع ما ذكره في النهاية في الإحكام أيضا وزاد فقال وكيف وإن اعتبار قول الواحد في الجرح والتعديل أصل متفق عليه واعتبار ضم قول غيره إليه يستدعي دليلا والأصل عدمه ولا يخفى أن ما يلزم منه موافقة النفي الأصلي أولى مما يلزم منه مخالفته انتهى وأجاب الفاضل الشيخ محمد في حاشية المعالم عما أورده في مشرق الشمسين فقال قوله إنها شهادة اعترض على هذا شيخنا في مشرق الشمسين بأن هذه الدعوى غير بيّنة ولا مبينة وهلَّا كانت كغيرها من الإخبارات التي لا يشترط فيها التعدد كالمترجم وإخبار الطبيب والأجير بإيقاع الحج وأقول إن الوالد وإن أجمل الكلام إلا أنه اعتمد على المعلومية من خارج لأن النهي عن اتباع الظن لما كان موجودا فالخروج عنه لا يكون إلا بأحد أمرين إما العلم أو شهادة العدلين أو العدل الذي نص الشارع على الاكتفاء به واعتبار العلم لما تعذر في الإحكام انتقل إلى ما يقوم مقامه ولما كان الاكتفاء بالواحد لا اتفاق عليه والدليل لا يساعده فلم يبق إلا شهادة الشاهدين فلهذا قلنا لنا أنها شهادة وعلى هذا فالمحتاج إلى البيان من اكتفي بالواحد لموافقته على قبول الاثنين ودعواه ما دونه فإن قلت النهي عن اتباع الظن ليس عاما بل مخصوص بالعقائد قلت هذا احتمال في بعض الآيات ولو سلم فلنا أن نقول مناط التكليف إنما هو العلم وقيام الظن مقامه للدليل والدليل على الاكتفاء بخبر الواحد مع كونه ظنا هو الآية واعتبار الظن فيها يقتضي التناقض في مدلولها وإن كان فيه كلام ولو سلم اعتبار الظن في التكليفات لكن الظن الَّذي اعتبره الشارع فيتوقف على كون خبر الواحد مما اعتبره الشارع واعتباره من الآية يقتضي صراحتها فيه وهي إن لم تكن صريحة فخلافه محتمل والوجه في ذلك أن التعليل بالندامة يقتضي عدم اعتبار كلما احتمل الندامة والظن محتمل للنّدامة ولا يعتبر خروج شهادة الشاهدين بالإجماع فيبقى الباقي فإن قلت التعليل للفاسق على معنى أن الظن الحاصل منه هذا حكم فلا يلزم أن يكون الظن الحاصل من العدل كذلك قلت قد تقدم منا الجواب عن هذا بأن العلَّة المنصوصة تشمل مواردها وخصوص المتعلق لا يخصها ومن هنا أن شيخنا المحقق في الزبدة يقول بقوله قالوا كل خبر شهادة إلى آخره قد يقال عليه إن دعوى كون كل خبر شهادة ولم يعلم قائلها بل التعبير الذي رأيناه إنما هو كون التزكية شهادة والتقريب على النحو الَّذي قلناه وعلى هذا فغاية ما يقال علي المدعى إن التزكية شهادة ويجوز أن يكون خبرا وليس بشهادة أو شهادة ولا يعتبر فيها التعدد ويجاب بما قدمناه ولا يعترض بما هو مشهور من أن المراد لا يدفع الإيراد لإمكان الجواب بأنه اكتفي بالبيان عند الجواب على الاستدلال بالآية كما منعنا وهذا على سبيل التسديد للكلام لئلا يصير الدّعوى لغوا وإلا فالحكم محل كلام انتهى وفيه نظر والتحقيق في هذا المقام أن يقال إنه لا شك في أن المسألة مما يتعلق بالموضوعات الصرفة وكذا لا شك في أن الموضوعات الصّرفة المشتبهة منها ما يثبت بشهادة العدلين ونحوها من سائر الشهادات ولا يجوز إثباته بدون الشهادة فيلزم هنا مراعاة جميع شرائط الشهادة ولا يجوز الاعتماد على مجرّد الخبر ولا على مجرّد الظن وهذا هو الغالب فيها ومنها ما يجوز الاكتفاء في إثباته بقول واحد من أهل الخبرة كما في معرفة العيب ومعرفة الضّرر ونحوهما ومن الظاهر أنه هنا لا يجوز الاعتماد على خبر كلّ عدل بل إنما يجوز الاكتفاء بخبر خاص وهو خبر واحد من أهل الخبرة فيلزم هنا مراعاة جميع ما يعتبر في أهل الخبرة ومنها ما يجوز الاكتفاء في إثباته بالظنون الاجتهادية ويكون المناط فيه وصف الظن كما في القبلة والشك في أفعال الصّلاة ومنها ما لا يجوز الاعتماد في إثباته إلا على العلم القطعي ولكن الأصحاب لم يذكروا ضابطة كلية للأمور المذكورة حتى يعرف بها مرجع كل موضوع مشتبه وكذا لم يرد التنبيه عليها في النص المعتبر فاللازم حينئذ بحكم الأصل